الملخص التنفيذي
أمضت سورية منذ عام ٢٠١١ أكثر من عقد في حرب نالت منها مادياً ومعنوياً. وقد سبق الخرابَ الاقتصادي الذي خلّفته الحرب الأهلية عقودٌ من اقتصاد سياسي مُفسِد لم تقم في ظله المؤسسات ولا البنية التحتية، المادية وغير المادية، أي الأنظمة والإجراءات، التي تقتضيها دولة وطنية مستدامة. وحصيلة ذلك أن الاقتصاد السوري اليوم مثخن بالجراح.
تمزّق حربٌ أهلية كالتي شهدتها سورية البلدَ على نحو يتجاوز بكثير المباني المدمَّرة والصناعات المعطَّلة. غير أن ما تقتضيه إعادة الإعمار الاقتصادي، أي إعادة بناء مؤسسات شرعية للحكم والنظام العام أو بناءها ابتداءً، وبناء البنية التحتية المادية وغير المادية، وإقامة أنظمة تمكّن الأفراد من تحسين سبل عيشهم، يعيد بناء ما هو أوسع من الاقتصاد بكثير. فإعادة إعمار اقتصادي ناجحة مستدامة شاملة تعالج، مباشرةً أو عبر آثار من الدرجة الثانية أو الثالثة، كثيراً من الانقسامات المجتمعية التي خلّفتها حقبة صراع كالتي عانتها سورية. ومربط الفرس هنا كلمة «شاملة»: فعمليات إعادة الإعمار التي تفيد أقلية وتُقصي سواها لا تعيد بناء شيء سوى طريق العودة إلى الصراع.
وغاية هذه المقالة أن ترسم خارطة طريق لإعادة إعمار بهذه الشمولية. تتوزع خارطة الطريق على ثلاث ركائز، تعرض كل واحدة منها المعوقات الرئيسية التي تحول دون بلوغ سورية إعادة إعمار كهذه، وتقترح سبل تجاوزها. وقد كُتبت المقالة كلها عن قصد لتكون ذات فائدة عملية لطيف واسع من أصحاب المصلحة المنخرطين في الشأن السوري، لا للحكومة وحدها: المبعوثون والسفارات الأجنبية وهم يصوغون استراتيجيات انخراطهم، والمنظمات الدولية غير الحكومية ووكالات التنمية وهي تضع استراتيجياتها البرامجية، والمستثمرون والممولون من القطاعين العام والخاص وهم يتحرّون المخاطر المحيطة بمشاريعهم المرتقبة ليحددوا الممارسات الفضلى التي يشترطونها في تعاملهم. هؤلاء جميعاً وسواهم سيجدون في المقالة سنداً وهم يرسمون مسارهم في سورية.
«الركيزة الأولى: الأسس المؤسسية للدولة» أهمُّ ركائز خارطة الطريق، إذ لا سبيل إلى معالجة معوقات الركيزتين الثانية والثالثة قبل معالجة معوقاتها. وهي تبسط أرضية الحوكمة التي لم تُرسَ بعد في سورية، بمقتضياتها المعيارية والإجرائية، وعليها تقوم أي عملية إعادة إعمار وبها تدوم. وتُبحث هنا ستة معوقات وحلولها:
• رؤية وطنية منشورة
• جهاز إداري مصمَّم لخدمة الجمهور
• شفافية قابلة للتحقق
• الفصل بين السلطات، في المرحلة الانتقالية وما بعدها
• مواقع تقنية وكفاءات تقنية
• وضوح التواصل الحكومي والبيئة المعلوماتية
أما «الركيزة الثانية: الممكّنات الاقتصادية، أي التنظيم وبنية السوق والبنية التحتية»، فتعرض المنظومات الرئيسية التي يجب أن تُبنى على أساس الركيزة الأولى حتى تتدفق موارد إعادة الإعمار وتُصان. وإذا كانت الركيزة الأولى هي الجهاز العصبي والمناعي، فالركيزة الثانية هي الجهاز الدوري. ويقوم تحليل هذه الركيزة على خمسة معوقات وسبل تجاوزها:
• نظام مصرفي فاعل
• الاستطاعة الكهربائية
• حقوق الملكية وإنفاذ العقود
• البنية التحتية المادية وغير المادية للتجارة والجمارك
• قطاع خاص سوري مُمكَّن
وتتناول «الركيزة الثالثة: نمو يصل إلى الجميع، أي رأس المال البشري وفرص العمل والإدارة المحلية» كيف يُمكَّن السوريون من زمام قرارهم فيصيروا الفاعلين الذين تحتاج إليهم إعادة الإعمار، لا من جهة المهارات الفردية وفرص توليد القيمة فحسب، بل من جهة امتلاك الصلاحية التي يقتضيها حل المشكلات على المستوى المحلي، وهو حل حاسم. والركيزة الثالثة، في الصورة نفسها، هي الجهاز الحركي. وتُبحث هنا ثلاثة معوقات وسبل تجاوزها:
• إعادة بناء منظومة التعليم وقوى عاملة ماهرة
• استحداث فرص العمل
• ضبط توزيع المسؤوليات بين البلديات والمحافظات والدولة المركزية
وتُختتم المقالة باقتراح إنشاء كيان صغير، «وحدة الإنجاز»، يتولى التنسيق والتوجيه على المستوى الكلي لإدارة إعادة الإعمار، ويدير بلا انقطاع حلقةً من حل المشكلات ومساءلةً تقوم على التقييم، تُبقي البرنامج على مساره.
وإذا كان ثمة منظور جامع يسري في المقالة كلها فهو الإلحاح. فقد حققت الحكومة مكاسب حقيقيةً، ولا سيما في بناء العلاقات التي تقتضيها الشراكات الحاسمة في إعادة إعمار سورية. غير أن التحدي انتقل اليوم إلى الجبهة الداخلية، وإلى العمل الأصعب والأشد أهميةً: عمل التوافق والتقاسم وبناء المنظومات. وهو عمل قلّما يأتي بعائد فوري، خلافاً لإعلان رفع عقوبات يتصدر العناوين؛ وهو في الوقت نفسه العمل الذي يرسي أساساً يُبعد سورية عن الصراع لا يقرّبها منه. ولا مبالغة في القول إن الزمن يداهم سورية: فلم تُرسَ بعد الأسس التي تعالج الأسباب الجذرية للتصدعات الظاهرة للعيان في البلد، ولا الأسس التي تبني الثقة بين المكونات المجتمعية وبين الناس والحكومة، وهي الثقة التي تمنع تلك التصدعات من أن تستفحل فتصير انقسامات مجتمعيةً. ومن ثم فإن الإطار الزمني للبرنامج، وهو أربعة وعشرون شهراً يُزال فيها عدد من المعوقات ويُبنى زخم ملموس ذو شأن عبر سائرها، ليس اعتباطياً بحال، بل ضرورةً. على أن الرهان الذي تقوم عليه المقالة رهان إيجابي: فمتى عولجت هذه المعوقات، صارت سورية مؤهلةً لأن تستعيد دورها مركزاً سياسياً واقتصادياً ومالياً لبلاد الشام، ولتحويل عقد من التدمير إلى جيل من البناء. وهذه واحدة من أكبر فرص إعادة الإعمار والاستثمار في هذا الجيل، ونحن متفائلون بما هو آت.
المقدمة
بعد ثمانية عشر شهراً على سقوط نظام الأسد، تبدل السؤال المركزي أمام إعادة إعمار سورية. فلم يعد السؤال هل التعافي ممكن؛ إذ حسم رفع العقوبات وعودة رؤوس الأموال وتجدد الانخراط المتعدد الأطراف هذا السؤال إلى حد بعيد. أما ما لم يُحسم بعد فهو ما إذا كانت البنية المؤسسية القادرة على تحويل الإمكان إلى نتائج راسخة قائمةً أصلاً.
وتتجه المؤشرات الكلية جميعها وجهةً واحدةً. فقد رفعت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، كل على حدة، منظومات عقوباتها الاقتصادية الشاملة. وألغى الأمر التنفيذي الأمريكي رقم ١٤٣١٢، الموقَّع في ٣٠ حزيران/يونيو ٢٠٢٥ والنافذ في ١ تموز/يوليو ٢٠٢٥، ستة أوامر تنفيذية كانت تشكّل صلب أوسع منظومة عقوبات عرفها العالم، من دون أن يطال عقوبات قانون قيصر التي لم تُلغَ إلا في ١٨ كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٥، ولا تصنيف سورية دولةً راعيةً للإرهاب. ورفعت الأمم المتحدة عقوباتها في خطوتين منفصلتين: فبموجب قرار مجلس الأمن رقم ٢٧٩٩ الصادر في ٦ تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٥ رُفعت العقوبات عن الرئيس أحمد الشرع ووزير الداخلية أنس خطاب، ثم رُفعت في ٢٧ شباط/فبراير ٢٠٢٦، بقرار منفصل من المجلس نفسه، عن هيئة تحرير الشام وجبهة النصرة. وعاد صندوق النقد الدولي إلى دمشق، في ما وُصف بأنه أول عودة له منذ عام ٢٠٠٩، وأقرّ البنك الدولي أول مشروع له في سورية منذ نحو أربعة عقود: منحة كهرباء بقيمة ١٤٦ مليون دولار، يعقبها برنامج لإدارة المالية العامة بقيمة ٢٠ مليون دولار. وسدّدت المملكة العربية السعودية وقطر معاً متأخرات سورية المستحقة للبنك وقدرها ١٥٫٥ مليون دولار، وأسهمتا في تمويل رواتب القطاع العام عبر دفعات متعددة مدة كل منها ثلاثة أشهر خلال عام ٢٠٢٥. وفي مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض في تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٥، أفاد الرئيس الشرع بأن سورية كانت قد تلقت حتى تلك اللحظة، من الدول كافةً، تعهدات استثماريةً تناهز ٢٨ مليار دولار، على أن بعض التقارير تذهب إلى أن إجمالي عام ٢٠٢٥ بلغ ٥٦ مليار دولار. وتُقدَّر موازنة عام ٢٠٢٦ بنحو ١٠٫٥ مليار دولار، أي نحو ثلاثة أضعاف موازنة عام ٢٠٢٥.
على أن هذه الأرقام لا تُنصف ما أُنجز فعلاً، إذ كان أشد أعمال العام المنصرم أثراً عملاً غير ملموس. فرفع العقوبات والتعهدات الموقَّعة هي المخرجات الظاهرة، أما الإنجاز الأصعب فيقع في مرحلة سابقة عليها. ففي عام ونصف، أعادت حكومة خرجت من حركة زمن الحرب بناء جانب كبير من علاقات البلد الخارجية، وأعادت إلى طاولة الحوار عواصم كانت تعامل سورية بوصفها منبوذةً، وفتحت من جديد القنوات التي أتاحت كل ما تقدم. وقليلة هي عمليات الانتقال بعد النزاع التي تحركت بهذه السرعة على الساحة السياسية الدولية.
على أن التقدم ناقص. فما يحول بين هذا الزخم والتعافي الراسخ جملةٌ من القيود البنيوية المتجذرة في الدولة السورية واقتصادها، يضيف كل قيد منها احتكاكاً يتراكم أثره في كل عملية تقريباً من العمليات التي يقتضيها التعافي.
وتشكل هذه المقالة المدخل التمهيدي لسلسلة SIMA Insights. وبناءً على تحليلنا السابق لإعادة اندماج سورية المصرفي والمالي، وهو القيد الذي يتوقف عليه ستة من القيود الثلاثة عشر الأخرى، فضلاً عن قناة تحويلات المغتربين، تتناول المقالة المعوقات الممتدة على اتساع الاقتصاد السوري. وتنتظم هذه القيود الأربعة عشر الواردة أدناه في ثلاث ركائز: الأسس المؤسسية (من الأول إلى السادس)، والممكّنات الاقتصادية (من السابع إلى الحادي عشر)، والنمو الشامل للجميع (من الثاني عشر إلى الرابع عشر). وأهمية الركائز أن القيود لا تُحل منفردةً: فبعضها يفك بعضاً، ومن ثم يكون التسلسل جزءاً أساسياً من الجواب. أما التماسك المجتمعي والعدالة الانتقالية والمصالحة بعد النزاع فلها وزنها الخاص، ومكانها إطار منفصل.
ولا تقتصر أهمية التحليل التالي على الوزارات السورية التي تخاطبها الإصلاحات مباشرةً. فلكل من يزن خياراته في سورية مصلحة في كيفية قراءة هذه القيود: المستثمر الذي يقدّر حجم التزامه الأول، والشركة المشغّلة التي تسعّر مخاطر التنفيذ، ومؤسسة التنمية التي تهيكل قرضاً، والمبعوث الأجنبي الذي يعاير انخراطه، والوكالات والمنظمات غير الحكومية التي تصمم برامجها على أساس ما تحتاج إليه البلاد فعلاً.
وما يلي ثمرة عشرة أشهر ميدانية أمضاها في دمشق المشارك الأول في كتابة المقال، وعدة زيارات ميدانية إلى البلاد في المرحلة الانتقالية أجراها المشارك الثاني في كتابة المقال، رصدا خلالها تقدّم التعافي على جبهات وتعثّره على أخرى، بل في القطاع الواحد والوقت الواحد في كثير من الأحيان. والقيود الواردة أدناه هي النمط الكامن تحت هذا التفاوت.
الركيزة الأولى: الأسس المؤسسية للدولة
تحدد القيود الستة المجموعة في هذه الركيزة ما إذا كانت الحلول المقترحة للركيزتين الثانية والثالثة قابلةً للتحقق بنجاح.
ويُبقي كلَّ قيد من هذه القيود في موضعه منطقٌ قد يبدو معقولاً لبعض صناع القرار السوريين، غير أنه لا يصمد أمام متطلبات إعادة إعمار راسخة. فتركيز القرارات في عدد قليل من المكاتب يبدو أكثر أماناً لمن بيدهم السلطة، إذ يقلل خطر تمييع برنامجهم؛ أما في نظر المراقبين الخارجيين فيُقرأ التركيز نفسه مؤشراً على هشاشة سياسية وضعف مؤسسي. وكذلك الغموض في التعاقد، أي التعاقد بالتراضي، فقد قُصد به الحفاظ على سيطرة الحكومة ومرونتها، وتوفير ما قد تستهلكه إجراءات علنية شائكة من وقت وجهد؛ أما المستثمرون والشركاء فيقرؤونه دليلاً على أن لدى المتنفذين ما يخفونه.
ويتلخص الإصلاح الكامن وراء كل قيد في قرار واحد: الكف عن السعي إلى أقصى سيطرة قصيرة الأجل على حساب الرسوخ في الأجلين المتوسط والطويل. وهذا هو النمط الجامع بين عمليات الانتقال بعد النزاع التي نجحت. بيد أن كل إصلاح يعيد أيضاً توزيع شيء ما: فالسلطة المركزة والتعاقد الغامض والترخيص التقديري مصادر نفوذ لمن يملكونها، ومن ثم فإن الأقدرين على إبطاء الإصلاح هم عادةً من سيقيدهم الإصلاح نفسه. والتصميم التقني للمعالجات التالية هو الجزء اليسير في معظم الحالات؛ أما السؤال الأصعب فهو ما إذا كانت القيادة مستعدةً لإنفاق رأس مال سياسي في مواجهة أصحاب المصالح الراسخة المستفيدين من الترتيب القائم.
المعوّق الأول: رؤية وطنية منشورة
تتعدد إجابات الوزراء عن الصورة التي ينبغي أن تكون عليها سورية في عام ٢٠٣٦ بتعدد الوزراء أنفسهم. ولا يجد أكثر المواطنين جواباً عن الغاية التي تبني الحكومة من أجلها.
وفي غياب رؤية كهذه، تسعى الوزارات إلى أهداف متباينة: فتُقر الاستثمارات دون الرجوع إلى أولوية وطنية، ويسير إصلاح التعليم دون مواءمة مع سوق العمل، ويحتمل المواطنون المشقة دون أن يعرفوا إلى أي غاية. كان لألمانيا في عهد لودفيغ إرهارد شعار «Wohlstand für alle»، وصاغت سنغافورة في عهد لي كوان يو طموحها بعبارة «من العالم الثالث إلى العالم الأول في جيل واحد»، وحددت رواندا في عهد بول كاغامي بلوغ مرتبة الدخل المتوسط بحلول عام ٢٠٣٥. أما سورية فلا نظير لديها.
والمطلوب إطار موجز باسم «سورية ٢٠٣٦»، وقد اختير عام ٢٠٣٦ لا لواقعية أفقه الزمني فحسب، بل لأنه يصادف الذكرى التسعين لعيد الجلاء في عام ١٩٤٦.
وينبغي أن تمتد «سورية ٢٠٣٦» على ثلاثة أبعاد: الحياة اليومية، أي الكهرباء والماء والمدارس والرعاية الصحية؛ والهوية الاقتصادية، أي ما ستنتجه البلاد وتصدره، والقيمة التي ستولدها لشعبها وللمنطقة، والاستثمار الذي تعتزم اجتذابه؛ والطابع المؤسسي، أي كيف تنساب الصلاحيات بين السلطة التنفيذية والوزارات والإدارة المحلية. والغاية ليست خطةً تنمويةً من خمسمئة صفحة، بل رؤيةً موجزةً بما يكفي ليستوعبها المواطن، ومحددةً بما يكفي ليخطط الوزير على أساسها. وعندئذ يُختبر كل قرار موازنة لاحق وكل موافقة استثمارية وكل إصلاح بسؤال واحد: هل يقرب هذا سورية من رؤية ٢٠٣٦ أم يبعدها عنها؟
الجهة المعنية: رئاسة الجمهورية، تساندها وزارة الاقتصاد والصناعة. الوضع الراهن: لا رؤية وطنية منشورة؛ خطط خمسية قطاعية مجزأة موزعة على فرادى الوزارات.
المعوّق الثاني: جهاز إداري مصمَّم لخدمة الجمهور
بحسب ما نقلته إلينا منشآت تعاملت مع هذه الإجراءات في عامي ٢٠٢٥ و٢٠٢٦، تستغرق رخص البناء اليوم ثلاثة أشهر، ويستغرق التخليص الجمركي للواردات ثلاثة أسابيع، ويقتضي تسجيل الشركات مراجعة مكاتب متعددة. وتستهلك كل خطوة من هذه الخطوات وقتاً ومالاً، وتفتح كل واحدة منها باباً لدفعات غير نظامية.
وقد واجهت جورجيا المشكلة نفسها في عام ٢٠٠٤. فقيّمت الحكومة، بقيادة كاخا بيندوكيدزه، كل رخصة على محك واحد: هل تحمي هذه الرخصة الجمهور أم تحمي متنفذاً؟ فألغت أكثر من أربعة أخماس الرخص القائمة. وصعدت جورجيا في تصنيف «ممارسة أنشطة الأعمال» الصادر عن البنك الدولي من الثلث الأدنى إلى العشرة الأوائل عالمياً: المرتبة الثانية عشرة في تقرير عام ٢٠١٢، ثم السادسة في تقرير عام ٢٠١٩ والسابعة في تقرير عام ٢٠٢٠، قبل أن يتوقف العمل بالتصنيف في عام ٢٠٢١.
ولو طُبقت على الخدمات الحكومية العشرين الأكثر استخداماً في سورية مراجعة مماثلة لتقليص الروتين الإداري، لأثمرت نتائج يلمسها المواطنون والمستثمرون: تسجيل الشركات في يوم واحد، ورخص البناء في أسبوعين، والتخليص الجمركي في اثنتين وسبعين ساعةً. وتُنشر عندئذ كل خدمة، في صورتها الباقية أو الجديدة، مقترنةً باتفاقية مستوى الخدمة، ويُتاح للمستخدمين رقم تتبع للمعاملة، ويُنشر أسبوعياً على لوحة المؤشرات التي يتناولها القسم التالي متوسطُ مدة المعالجة.
الجهات المعنية: وزارة التنمية الإدارية، ووزارة الاقتصاد والصناعة، والهيئة العامة للمنافذ والجمارك. الوضع الراهن: لا اتفاقيات مستوى خدمة منشورة؛ لا تتبع مركزي للمعاملات؛ مدد المعالجة تُبلَّغ حالةً بحالة عند شباك المراجعة.
المعوّق الثالث: شفافية قابلة للتحقق
الشفافية أقلُّ قيود هذه الركيزة كلفةً وأبلغها أثراً.
والمسألة ليست في دقة بيانات الحكومة. ففي سياق كسياق سورية في مرحلتها الانتقالية، لا تسهم البيانات المصرح بها ذاتياً إلا قليلاً في بناء مصداقية لدى طرف ثالث. وفي عين المراقب الخارجي، لا فرق بين لوحة مؤشرات حكومية تعلن تحسّن التغذية الكهربائية وبيان صحفي حكومي يقول الشيء نفسه. والفجوة بين الإعلان الرسمي الأول وتصحيح وزير المالية اللاحق ليست نجاحاً للشفافية، بل تذكيراً بأن المنظومة أخفقت في التقاط الخطأ قبل نشره. فالشفافية الحقيقية منظومة تتيح لطرف من خارجها أن يلتقط الخطأ قبل نشره.
وما يميز شفافيةً كهذه عن مجرد بيانات صحفية أو تصريحات وزارية أربعةُ خيارات في التصميم، يضع كلٌّ منها طرفاً من خارج الحكومة في موضع من يستطيع أن يُظهر خطأها علناً:
شفافية الموازنة والتنفيذ: بدأت وزارة المالية هذا العمل برئاسة الوزير محمد يسر برنية. فقد صدرت «موازنة المواطن» في نيسان/أبريل ٢٠٢٦ في وثيقة من ٥٢ صفحةً تعرض موازنة عام ٢٠٢٦ في صورة مبسطة، يرافقها ملخص علني لأداء عام ٢٠٢٥. وهي المرة الأولى التي تُكتب فيها موازنة وطنية سورية للمواطن لا للجهاز الإداري. والخطوة المنطقية التالية سلسلة من تقارير التنفيذ الفصلية وزارةً وزارةً، تتيح للمواطنين أن يروا لا ما خُصص فحسب، بل ما أُنفق فعلاً، على أن تُنشر المنهجية المعتمدة بالاشتراك مع برنامج إدارة المالية العامة التابع للبنك الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والفريق الفني لمشاورات المادة الرابعة في صندوق النقد الدولي. فبالمنهجية يُعرف الإفصاح من تجميل الصورة.
شفافية العقود: ينبغي نشر جميع العقود الحكومية التي تتجاوز قيمتها ٥٠٠٬٠٠٠ دولار، مع اسم المتعاقد وقيمة العقد ونطاقه وجدوله الزمني، بما فيها العقود المبرمة عبر الصندوق السيادي السوري والصندوق السوري للتنمية، وهما يخضعان اليوم لإشراف رئاسي مباشر دون إلزام بالإبلاغ المالي. وهذا أنجع تدابير مكافحة الفساد المتاحة، وبغيابه تملأ التكهنات الفراغ. فالفراغ المعلوماتي السوري يولّد الافتراض، والافتراض إذا تكرر على نطاق واسع صاغ التصور أياً كان نصيبه من الصحة. وصحة رواية بعينها أقل شأناً من أن الغموض يضمن عودتها إلى التداول، والإشاعة على هذا النطاق تنخر الثقة كما تنخرها المخالفة المثبتة. وإطلاق الصندوق السيادي السوري موقعَه الإلكتروني حديثاً بداية؛ أما ما يحوّل هذه البادرة إلى مصداقية حقيقية لتلك المؤسسات فهو الإفصاح المتواصل على النحو المبين أعلاه، عقداً بعقد.
شفافية التعيينات: على كل إعلان تعيين وزاري أو تعيين مدير عام أو تعيين تقني رفيع أن يبدأ بعرض المهام والصلاحيات ومعايير الاختيار، وأن يُختم بنشر مؤهلات المرشح الفائز والعملية التي أفضت إلى اختياره. فعمليات التعيين المغلقة من أسرع الطرق التي تفقد بها حكومة ما بعد المرحلة الانتقالية مصداقيتها.
شفافية الأداء: لكل وزير خمسة أهداف قابلة للقياس، تُعرض على لوحة مؤشرات عامة تُحدَّث شهرياً. ومن شأن التحقق من جانب المواطن، كخط ساخن يسأل عما إذا كان إصلاح معلن قد وصل فعلاً إلى الجمهور، أن يحوّل أرقام اللوحة إلى ادعاءات قابلة للتحقق المستقل. ويقدم نظام إيميهيغو في رواندا وقاعات الخدمة العامة في جورجيا نموذجين عمليين لذلك.
الجهات المعنية: وزارة المالية (الموازنة والتنفيذ)، والصندوق السيادي السوري والصندوق السوري للتنمية (شفافية العقود، وهما اليوم تحت إشراف رئاسي مباشر)، وفرادى الوزارات (الأداء). الوضع الراهن: الموازنة تُنشر في صورة موجزة؛ نشر العقود يجري حسب الحالة؛ لا إفصاح رسمي عن عملية التعيين؛ لا لوحة مؤشرات أداء موحدة.
المعوّق الرابع: الفصل بين السلطات، في المرحلة الانتقالية وما بعدها
تركّز السلطة التنفيذية عَرَضٌ لا القيد نفسه. فالقيد أن سورية لم تُرسِ بعد فصلاً واجب النفاذ بين السلطات التنفيذية والقضائية والرئاسية، ولم تنشر الآلية التي يُبنى بها ذلك الفصل بعد انقضاء المرحلة الانتقالية.
يركّز الإعلان الدستوري الصادر في آذار/مارس ٢٠٢٥ صلاحيات كبيرةً في يد السلطة التنفيذية، وهو وضع يمكن الدفاع عنه في مرحلة انتقالية تقتضي سرعة اتخاذ القرار ولم تكتمل فيها بعدُ إعادة بناء البنى البرلمانية. غير أن الخطر لا يكمن في هذا التركيز الانتقالي بحد ذاته، بل في غياب خارطة طريق منشورة ذات جدول زمني محدد لما يليه.
وفي نظر المستثمرين، هذه حالة عدم يقين قائمة اليوم، لا خطر مؤجل. فلا توجد حتى الآن غرفة قضائية تجارية متخصصة محصَّنة من نفوذ السلطة التنفيذية. أما الحمايات التعاهدية المتاحة للمستثمرين الأجانب فلا تطال معظم ما تصادفه الشركة فعلاً في عملها: فهي لا تتاح إلا لمستثمر تربط دولته بسورية معاهدة نافذة؛ وهي مشروطة بأن ينطبق على النشاط المتضرر وصف الاستثمار لا وصف المعاملة التجارية العادية؛ وهي لا تُجدي عملياً إلا في مطالبات تكبر بما يكفي لتبرير سنوات من الإجراءات الدولية. وفضلاً عن ذلك، فإن أصول سورية في الخارج من الضآلة بحيث يصعب تحصيل أي حكم تحكيمي من هذا القبيل.
لم يعالج الإصلاح السوري هذه المسألة في أصلها حتى الآن، وإنما اشتغل على أطرافها: فالهيئة السورية للاستثمار بصدد إنشاء مركز تحكيم خاص بها، بعد أشهر من إطلاق اتحاد غرف التجارة السورية مركزاً تجارياً منفصلاً. وفي ذلك إشكال متأصل، إذ سيقوم المركز داخل الهيئة نفسها التي تمنح التراخيص التي سيفصل في المنازعات المتعلقة بها. والتحكيم الذي تتيحه هاتان الجهتان لا يُلزم إلا من اتفقوا فيما بينهم على اللجوء إليه. ومن ثم يستطيع مستثمر أجنبي يحمل امتيازاً في سورية أن يخاصم، من حيث المبدأ، الوزارة التي وقّعت معه العقد الأصلي المتضمن شرط التحكيم؛ بيد أن هذا الشرط يبقى بلا قيمة في مواجهة الهيئة العامة للمنافذ والجمارك حين تعيد تقدير قيمة وارداته، أو المحافظة حين تمتنع عن منح رخصة، أو في مواجهة قرار بسحب ترخيص بموجب المرسوم رقم ١١٤. وحتى في تلك الحالة، إذا لم يمتثل الطرف الخاسر في التحكيم، عاد التنفيذ إلى القضاء السوري، وهو، كما تقدم، غير محصَّن اليوم من نفوذ السلطة التنفيذية.
ويمكن أن يجري هذا الإصلاح على مرحلتين متسلسلتين: أما المرحلة الفورية فاستحداث غرفتين متلازمتين، تجارية وإدارية، داخل النظام القضائي القائم، تُنشآن بقانون لا بمرسوم حتى لا تملك السلطة التي تُراجَع قراراتُها سحب اختصاصهما ولا إنهاء ولاية قضاتهما، ويكون لهما اختصاص محدَّد النطاق يشمل المنازعات التجارية والطعون في القرارات الحكومية التي تمسّ المستثمرين، كالأمثلة المذكورة أعلاه. ويختار قضاتَهما مجلسُ القضاء الأعلى بترشيح من نقابة المحامين، لمدد محددة، ولا يُعزل أحدهم إلا لأسباب منشورة، وبمساندة تقنية من مجموعة البنك الدولي والأونكتاد في الصياغة والتدريب. ولم تكتمل تشكيلة مجلس القضاء الأعلى بعد، وينبغي ألا ترأسه السلطة التنفيذية متى اكتملت. ويُنشر هذا كله مقروناً بجدول زمني صريح للمصادقة على معاهدات الاستثمار الثنائية. وأما في أثناء عملية وضع الدستور الدائم، وتوقيتها لم يتأكد بعد، فتُنشر آلية تبيّن كيف سينظّم الإطار الدائم تعيين القضاة ومدد ولايتهم وعزلهم، وعلاقة القضاء برئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء والسلطة التشريعية.
ويقع هذا الإصلاح القضائي ذو المرحلتين ضمن الملفات التي يُتوقع أن تتناولها اللجان التحضيرية للبرلمان الجديد في وقت مبكر. فهذه اللجان مكلَّفة بصياغة النظام الداخلي للمجلس وبترتيب الملفات التشريعية ذات الأولوية في تسلسلها، والإطار القضائي واحد منها. ونشر آلية المرحلتين، ولو قبل انعقاد البرلمان، يرسي مساراً معلوماً بمحطات محددة، ويبدأ في تبديد ما تُحدثه فجوات الحوكمة الموصوفة أعلاه من عدم يقين لدى المستثمرين وشركاء إعادة الإعمار. وبالأساس التشريعي والجدول الزمني للمعاهدات، يفترق هذا النهج عن مرسوم رئاسي آخر. وبدونهما لن يضيف مرسوم إضافي شيئاً يُذكر إلى الحوكمة، ولا إلى الثقة.
الجهات المعنية: رئاسة الجمهورية، ووزارة العدل، ومجلس القضاء الأعلى، والبرلمان الجديد. الوضع الراهن: الإعلان الدستوري الصادر في آذار/مارس ٢٠٢٥ نافذ؛ لا وجود لغرفة قضائية تجارية متخصصة؛ إطار استقلال القضاء لم يُحدَّد بعد لما بعد المرحلة الانتقالية.
المعوّق الخامس: مواقع تقنية وكفاءات تقنية
قيادة الثورة وحكم الدولة يتطلبان قدرات مختلفةً.
يلاحظ الشركاء والمستثمرون ومؤسسات التنمية حين يعجز نظيرهم الحكومي عن تقييم مقترح أو عن إصدار قرار يقع في صلب صلاحياته هو. وسحب الثقة الذي يعقب ذلك من أشد ما يضرّ بإعادة الإعمار بعد النزاع، إذ يجري في صمت. فلا تنتبه الحكومة إليه غالباً إلا بعد أن تكون الشراكات التي تحتاجها قد صارت بعيدة المنال.
وعلى الرغم من عدد محدود من الاتفاقات البارزة مع دول الخليج، فإن بوادر هذا التآكل ظاهرة من الآن في اتساع الفجوة بين الإعلان والتنفيذ. فقد وُقّع معظم مذكرات التفاهم التي تُقدَّر بمليارات الدولارات دون أن يبدأ العمل بها على الأرض، وتتقدم أرقام التعهدات المعلنة خلال ٢٠٢٥ كثيراً على رأس المال المدفوع والمستثمَر فعلاً. وتعود هذه الفجوات في جانب منها إلى قصور الجهاز الإداري السوري عن تحويل التعهدات والخطط إلى إجراءات تنفيذية، غير أن القدرة ليست السبب الوحيد: فالمعوقات التالية تنطوي على قيود بنيوية كافية وحدها لتعطيل مذكرة موقّعة مهما بلغت كفاءة الجهاز المقابل.
والعلاج استقطابٌ: تعيين خمسين سورياً مغترباً من ذوي الخبرة في مواقع حاسمة خلال السنة الأولى، اعتباراً من الآن، وخمسين آخرين في السنة الثانية، موزّعين في السنة الأولى على خمس مجموعات، كل منها عشرة: إدارة المالية العامة في وزارة المالية، وترويج الاستثمار في الهيئة السورية للاستثمار، وتنظيم قطاع الطاقة في وزارة الطاقة، والرقابة المصرفية في مصرف سورية المركزي، وتصميم المنظومة الصحية في وزارة الصحة. ويعكس السقف المحدد للسنة الأولى الحدود الواقعية لجهود الاستقطاب وللموافقات الأمنية، لا نقصاً في الطموح. أما المجموعات الخمس فتقابل فجوات القدرات الأشد إضراراً بالأسس التي تقوم عليها إعادة الإعمار.
ويذكر المهنيون المغتربون خمسة حواجز تحول دون عودتهم: شهادات أجنبية تمتنع الجهات الرقابية السورية عن الاعتراف بها، وهو خيار مؤسسي يحيل إلى أسئلة أعمق عن الثقة بالعائدين الذين تدربوا في الغرب، وبوسع الحكومة أن تحسمه بمرسوم وبكلفة تقارب الصفر؛ ومخاوف أمنية ومخاوف تتصل بازدواج الجنسية تحملها أجهزة الاستخبارات السورية تجاه الأفراد المغتربين؛ وفجوة في الرواتب قياساً بالوظائف المماثلة في الخليج أو أوروبا؛ ونقص المدارس الدولية لأبنائهم؛ وقلق من الأمن العام ومن عدم اليقين حيال وجهة الدولة والمجتمع.
وأربعة أمور تشدّ هذه المجموعات بعضها إلى بعض: أولها صلاحيات قرار منشورة، تثبّت في السجل ما يملك كل تعيين رفيع أن يقرره فعلاً قبل أن يقبل الموقع؛ وثانيها تبعية مباشرة للوزير المختص، بلا طبقة إدارية وسيطة؛ وثالثها مراجعة علنية لمؤشرات الأداء الرئيسية كل ستة أشهر، تجعل أي تدخل سياسي في مهام المعيَّن وصلاحياته مكشوفاً؛ ورابعها خروج مضمون بتعويض كامل عن إنهاء الخدمة إذا خُرقت تلك الحمايات المنشورة أكثر من مرتين خلال أي فترة اثني عشر شهراً، وهو بند يحمي العائد من إفراغ صلاحياته من مضمونها، ويرهن سمعة الحكومة نفسها بالوفاء به.
الجهات المعنية: رئاسة الجمهورية، والجهات الخمس المستهدفة (المالية، والهيئة السورية للاستثمار، والطاقة، ومصرف سورية المركزي، والصحة)، وجهاز الاستخبارات العامة (الموافقات الأمنية). الوضع الراهن: تعيينات رفيعة من المغتربين جرت خلال ٢٠٢٥ بصورة ظرفية ودون برنامج منشور؛ لا إطار موحّد لحماية المهام والصلاحيات؛ الاعتراف بالشهادات يجري حالةً بحالة لدى الجهات الرقابية القطاعية.
المعوّق السادس: وضوح التواصل الحكومي والبيئة المعلوماتية
ليس للحكومة السورية صوت واحد ذو حجية يتحدث باسمها في السياسة الاقتصادية. فالوزراء والإعلام الرسمي ووسائل التواصل الاجتماعي والمصادر داخل الوزارات، كلٌّ منها ينقل شيئاً مختلفاً، فيبقى على المستثمرين أن يوفّقوا بأنفسهم بين الإشارات المتضاربة.
وتتجاوز المشكلة الحكومةَ. فتحمل البيئة المعلوماتية السورية الأوسع كمّاً كبيراً من المحتوى المتنازع عليه، تبثه قنوات خاضعة لنفوذ خارجي: شبكات متحالفة مع دول أجنبية، وعناصر من النظام السابق تعمل اليوم من الخارج، وفصائل إقليمية أخرى، وفي مقدمتها، لا وحدها، شبكات متحالفة مع إيران ووسائل إعلام مرتبطة بحزب الله. وفي غياب مؤسسة سورية ذات مصداقية تترسّخ بوصفها المصدر الموثوق، يملأ الفراغَ من يربح من الالتباس.
والكلفة الاقتصادية قابلة للقياس. فما ينتشر على وسائل التواصل الاجتماعي من احتقانات طائفية، دون ردّ وقائعي ذي مصداقية من الحكومة، ينال من ثقة المستثمرين. ويظهر الأثر في شروط الصفقات: يضغط الممولون الخليجيون نحو سعر أدنى أو أرض أرخص، وترفع مؤسسات تمويل التنمية، كمؤسسة تمويل التنمية الدولية الأمريكية (DFC)، تسعير قروضها.
وللإصلاح شقّان: أما على الجانب الحكومي فمتحدث رسمي واحد يعقد إحاطةً أسبوعيةً بالعربية والإنكليزية، ومسار رسائل موحّد عبر الوزارات بشأن أولويات إعادة الإعمار والإصلاح بنقاط متفق عليها مسبقاً، وقناة موجّهة إلى المستثمرين تجيب عن أسئلة محددة تخص وضع الصفقات خلال أربع وعشرين ساعةً. ونقدّر، قياساً على مكاتب اتصال حكومية إقليمية مماثلة، أن كلفة هذا المكتب، بما فيه بنية الإحاطات، تقل كثيراً عن مليوني دولار سنوياً. وأما على جانب البيئة المعلوماتية الأوسع فمجلس إعلامي سوري مستقل يُناط به كشف التضليل المعلوماتي وتفنيده، والتحقق من وقائع خطاب التحريض، ودعم الصحافة السورية المستقلة بالتدريب والمنح الصغيرة. ومن شأن برنامج مدته خمس سنوات أن يبني البنية المؤسسية التي يفتقر إليها البلد اليوم.
وتتراكم كلفة التخلي عن هذا الإصلاح في موضعين: في صفقات لا تُبرم لأن المستشار القانوني للمستثمر لم يجد جواباً واضحاً عن سؤال كان ينبغي أن يكون له جواب، وفي حوادث تتصاعد أسرع مما ينبغي لأن صوتاً ذا مصداقية لم يصححها أو يوضّحها في ساعاتها الأولى.
الجهات المعنية: وزارة الإعلام، والأمانة العامة لرئاسة الجمهورية (الرسائل المشتركة بين الوزارات)، والهيئة السورية للاستثمار (التواصل الموجّه إلى المستثمرين). الوضع الراهن: لا متحدث رسمي واحد باسم الحكومة؛ الرسائل مبعثرة بين الوزراء؛ لا قناة موحّدة لعلاقات المستثمرين؛ لا مجلس إعلامي سوري مستقل عامل.
الركيزة الثانية: الممكّنات الاقتصادية، أي التنظيم وبنية السوق والبنية التحتية
تتطلب القيود الخمسة في هذه الركيزة رأس مال وبنيةً تحتيةً بقدر ما تتطلب قرارات. وتأتي في التسلسل بعد الأسس المؤسسية للركيزة الأولى. فرأس المال يلتزم قبل أن تستقر تلك الأسس، غير أن الالتزام شيء والإنشاء شيء آخر: فسرعة تحوّل رأس المال الموقَّع إلى بناء على الأرض تحددها المؤسسات لا التمويل. والقطاع المصرفي هو الاستثناء: فيمكن أن يمضي العمل على استعادة علاقات المراسلة بالتوازي، بل ينبغي له ذلك.
المعوّق السابع: نظام مصرفي فاعل
لا يقيم أي مصرف سوري حتى الآن علاقةً عاملةً مع المصارف التجارية الدولية الكبرى. فقد رفع مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأمريكي العقوبات الشاملة في ١ تموز/يوليو ٢٠٢٥، وأخرج المصرف التجاري السوري من قائمة الرعايا المحددين والأشخاص المحظورين (SDN)، غير أن إعادة بناء علاقات المراسلة المصرفية تحتاج إلى وقت. والنتيجة أنه ما من مصرف سوري يستطيع تحريك الأموال عبر أنظمة المقاصة الكبرى باسمه هو، وأن الاعتمادات المستندية لا تُفتح إلا بوساطة مؤسسات في بلدان ثالثة، بكلفة تخرج معها من دائرة الجدوى معظم التجارة التي كانت لتقوم لولا ذلك. ولا يبقى أمام السوريين في الخارج سوى قنوات غير نظامية تكلفهم، بحسب ما رصدناه ميدانياً، بين خمسة وخمسة عشر في المئة بعد احتساب الرسوم وفارق سعر الصرف، أي الفجوة بين السعر الذي يطلبه الوسيط والسعر الرسمي.
ويتوقف على هذا القيد ستة من القيود الثلاثة عشر الأخرى، فضلاً عن قناة تحويلات المغتربين، والتبعية بينها محددة بعينها: فما لم تتحرك الأموال عبر مصرف يملك نفاذاً عاملاً إلى شبكة المراسلة، تعذّرت تسوية تعرفة الكهرباء بالعملة الصعبة (المعوّق الثامن)، وتعذّرت تسوية التدفقات الاستثمارية التي يُراد بالقضاء التجاري المستقل حمايتها (المعوّق الرابع)، ولم يُموَّل العقار برهنه ضماناً (المعوّق التاسع). وعلى الشرط نفسه يتوقف صدور الاعتمادات المستندية التجارية (المعوّق العاشر)، وصرف التسهيل الائتماني بالجملة لتمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (المعوّق الحادي عشر)، ووصول الإقراض الموجَّه لاستحداث فرص العمل إلى المنشآت، وهو إقراض قائم على ذلك التسهيل (المعوّق الثالث عشر)، وإيجاد تحويلات المغتربين قنوات نظاميةً تحوّلها من استهلاك إلى استثمار. لهذا يتقدم القطاع المصرفي على سواه في التسلسل.
والهدف محدد: على محافظ مصرف سورية المركزي، بالعمل مع الشريك الاستشاري الدولي للمصرف، شركة الاستشارات Oliver Wyman التي استعان بها المصرف مطلع ٢٠٢٦ لقيادة مراجعة الإصلاح، أن يؤمّن أول علاقة مراسلة خلال تسعين يوماً من الآن، وأول اعتماد مستندي خلال مئة وعشرين يوماً. فالتمويل التجاري أول ضحايا انقطاع خطوط المراسلة، ومن ثم يجب أن يأتي الحل المؤقت من مؤسسة تملك شبكتها الخاصة. وتملك المؤسسة الإسلامية لتمويل التجارة (ITFC) شبكةً من هذا القبيل، ونقدّر، قياساً على الأحجام المعتادة لأطرها التمويلية القطرية، أن إطاراً من هذا النوع يمكن أن يحمل ما بين ٢٠٠ و٥٠٠ مليون دولار من التمويل التجاري الجسري عبر تلك الشبكة ريثما تُعاد علاقات المراسلة المباشرة، وهو تقدير من عندنا لا التزام من المؤسسة. ويتعهّد مصرف سورية المركزي لوحة مؤشرات لجاهزية المراسلة المصرفية، تسجّل أي المصارف الدولية فتحت خطوطاً، وأيها لا تزال في مرحلة العناية الواجبة، وأيها أحجمت عن فتح خطوط مراسلة. ولوحة كهذه تقول للأوساط المالية الدولية أكثر مما يقوله أي بيان حكومي.
الجهات المعنية: مصرف سورية المركزي، والمصرف التجاري السوري، ووزارة المالية. الوضع الراهن: لا توجد علاقات مراسلة فاعلة مع المصارف الدولية الكبرى؛ إعادة الربط بشبكة SWIFT جارية خلال ٢٠٢٥؛ إطلاق الليرة السورية الجديدة في ١ كانون الثاني/يناير ٢٠٢٦؛ مراجعة الإصلاح التي تقودها Oliver Wyman جارية.
المعوّق الثامن: الاستطاعة الكهربائية
يحصل كثير من مناطق سورية اليوم على ما بين ثماني ساعات واثنتي عشرة ساعةً من الكهرباء يومياً في المتوسط، مع تفاوت حاد بين المحافظات. ويتراوح التوليد الكهربائي الوطني الآن، بحسب التقديرات المنشورة، بين ١٬٦٠٠ و٢٬٢٠٠ ميغاواط، مقابل استطاعة مركبة قبل الحرب تناهز ٨٬٥٠٠ ميغاواط. وتحسّباً لعودة أنماط الاستهلاك التي كانت سائدةً قبل الحرب، نقدّر أن سورية تحتاج إلى استطاعة توليدية إضافية لا تقل عن ٥٬٠٠٠ ميغاواط. وكانت تركيا وقطر قد أعلنتا في كانون الثاني/يناير ٢٠٢٥ عن تزويد طارئ من شركة بواخر التوليد Karpowership بنحو ٨٠٠ ميغاواط. وبعد أكثر من عام، لم يدخل منه شيء إلى الخدمة.
والصعوبة البنيوية أن قيد الكهرباء مشدود إلى قيد المصارف. فتبلغ كلفة الإنتاج نحو ٠٫١٤ دولار للكيلوواط الساعي، وفي المقابل يدفع المستهلكون ما يقارب ٠٫٠٥ إلى ٠٫١٦ دولار تبعاً لشريحة الاستهلاك وفئة المستخدم. وتقع التعرفة بذلك بين ستين في المئة دون الكلفة عند أدنى شرائح الأسر وما يعلو الكلفة بقليل عند سقف الصناعات الثقيلة. فالشرائح الدنيا، وهي التي تقع فيها الأسر، لا تدرّ من بيع الكهرباء ربحاً يُذكر؛ أما الشرائح التي تقارب الكلفة أو تعلوها فتتجاوز ما يحتمله متوسط الراتب السوري، الأمر الذي يضع استدامة هذه التعرفة موضع تساؤل. وتمنح اتفاقيات الامتياز، كاتفاقية التحالف الذي تقوده UCC Holding، حق بناء منشآت التوليد وتشغيلها. غير أن إبرام مزيد من اتفاقيات شراء الطاقة (PPA) الطويلة الأجل، وهي العقود التي تثبّت السعر والمشتري والمدة وآلية الدفع، يتوقف تسريعه على تضييق الفجوة بين كلفة الإنتاج وسعر البيع تضييقاً حاداً، من غير لجوء إلى دعم حكومي يفوق طاقة الدولة. وحتى لو اتُّفق على تعرفة مقبولة، لظلّت التسوية تستلزم آلية دفع عاملةً بالعملة الصعبة، وتلك آلية يحول دونها غياب المصارف المراسلة.
وينبغي أن تسير الاستجابة على مسارين في آن واحد: أما المسار السريع فتوليد طارئ متنقل بمجموع ٥٠٠ ميغاواط خلال ستة أشهر، يوجَّه أولاً إلى المدن الصناعية التي تتوافر فيها تعاقدات شراء مؤكدة: الشيخ نجار في حلب، وعدرا في ريف دمشق، وحسياء في حمص. واختيرت هذه المدن الثلاث لسببين: أن اهتمام المستثمرين أشد تركّزاً فيها، وأن الأضرار المادية التي لحقت بها متجمّعة في رقعة محدودة، بما يتيح لإعادة إعمار مركّزة أن تعيد تشغيل تجمعات صناعية كاملة دفعةً واحدةً. ثم تمتد تغطية وحدات التوليد المتنقلة إلى بقية المدن الصناعية والمناطق الصناعية على مدى أربعة وعشرين شهراً. وأما المسار المتوسط فيضم مشروع الطوارئ الكهربائية السوري (SEEP) التابع للبنك الدولي، الذي يعيد تأهيل خطوط النقل ومحطات التحويل؛ وإعادة تأهيل محطة جندر؛ واتفاقيات توريد الغاز مع SOCAR؛ وحزمة التحالف الذي تقوده UCC Holding بقيمة ٧ مليارات دولار، وهي حزمة من شأنها أن تتيح ٥٬٠٠٠ ميغاواط موزعةً على أربع محطات غاز ذات دورة مركّبة وأربع منشآت للطاقة الشمسية. ويستلزم كل من هذه المشاريع إزالة عقبة بعينها: استعادة حقوق الوصول إلى الأراضي لممرات النقل في مشروع SEEP، بما في ذلك تأمين الوصول المادي إليها كنزع الألغام؛ واستصدار التراخيص البيئية لجميع المشاريع بالتوازي لا واحداً بعد آخر؛ والتفاوض المسبق على شروط توريد الوقود لمشروع SOCAR؛ وصياغة شروط القابلية للتمويل المصرفي، كبنود القوة القاهرة، لمستثمري التحالف بما يتيح الإغلاق المالي للصفقات؛ وبنية تعرفة من الوضوح بحيث تتيح للمشغّل استرداد تكلفته دون أن تفرض على المستهلكين صدمةً سعريةً لا تُحتمل سياسياً.
ويتوقف بلوغ تعرفة تستقيم مع الكلفة على أن تولّد محطات الدورة المركّبة كهرباء رخيصةً بما يكفي لتحتمل تعرفةً يقبلها المشغّل والمشتري معاً، ويبقى المشتري فيها محكوماً بما يستطيع المستهلك السوري دفعه فعلاً. ويقتضي ذلك أن تأتي شروط التوريد الطويلة الأجل مع SOCAR، وهي لم تُستكمل بعد، منخفضة الكلفة. غير أن سعر الغاز ليس سوى نصف المعادلة، إذ يجب أيضاً استرداد إنفاق التحالف البالغ ٧ مليارات دولار، ويدخل هذا الرقم بدوره في حساب التعرفة موضع التفاوض. وما لم تتمكن الجهة المشترية، والأرجح أن تكون الشركة السورية للكهرباء، من رفع قدرتها الشرائية، سواء بارتفاع دخول المستهلكين أو بدعم لا تقوى الدولة عليه حالياً، فلن تستقيم المعادلة بين كلفة إنتاج الكهرباء وسعر بيعها.
وجاءت الخطوة الحكومية الأبرز في أواخر تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٢٥، إذ حلّت بنية شرائحية محل التعرفة الموحدة البالغة ١٠ ليرات سورية للكيلوواط الساعي. فصارت الأسر تدفع ٦٠٠ ليرة عن كل كيلوواط ساعي من أول ٣٠٠ كيلوواط ساعي تستهلكها في دورة فوترة مدتها شهران، و١٬٤٠٠ ليرة عن كل كيلوواط ساعي فوق ذلك. أما المؤسسات الحكومية والمصانع التي تحصل على تغذية على مدار ٢٤ ساعةً فتدفع ١٬٧٠٠ ليرة، وتدفع الصناعات الثقيلة ١٬٨٠٠ ليرة. وحتى أدنى الشرائح يبقى دون كلفة الإنتاج بنحو ٦٠ في المئة. وأعقب الزيادةَ إغلاقُ مصانع واحتجاجات. وكانت الأسر السورية غارقةً في ضائقة مالية قبل التعديل.
ويكمن أحد الحلول في حساب ضمان يقوم بين مشغّلي المحطات والمستهلكين، يُغذّى من الإيرادات الحكومية، المستمدة مثلاً من صادرات النفط والغاز الآخذة في التعافي، ومن أموال الجهات المانحة. ولدعم خليجي هنا أهمية استراتيجية بالغة. وتُسدَّد إلى هذا الحساب أيضاً فواتير الكهرباء التي يدفعها المستهلكون السوريون، على أن تظل التعرفة المفروضة عليهم في حدود ما يقدرون عليه، وألا تُرفع إلا تدريجياً مع تحسّن التعافي الاقتصادي السوري، ومن ثم دخل الأسرة.
الجهات المعنية: وزارة الطاقة، التي تشكّلت في آذار/مارس ٢٠٢٥ بدمج وزارات الكهرباء والموارد المائية والنفط والثروة المعدنية السابقة؛ والشركة السورية للكهرباء، التي أُحدثت بمرسوم في نيسان/أبريل ٢٠٢٦ لتحلّ محل المؤسسة العامة لتوليد الكهرباء والمؤسسة العامة لنقل وتوزيع الكهرباء، وتتولى أصولهما وعقودهما والتزاماتهما. وهي هيئة اعتبارية تتمتع باستقلال مالي وإداري وتعمل تحت إشراف وزارة الطاقة، يديرها مجلس إدارة يضم اختصاصيي القطاع وممثلين عن وزارتي المالية والاقتصاد والصناعة، ويتولى إدارتها التنفيذية مدير تنفيذي. الوضع الراهن: التوليد التشغيلي بين ١٬٦٠٠ و٢٬٢٠٠ ميغاواط مقابل ٨٬٥٠٠ ميغاواط قبل الحرب؛ بنية التعرفة لم تبلغ بعد مستوى استرداد التكلفة ولم تصبح بعد قابلةً للتمويل المصرفي بالنسبة إلى المشغّلين المستقلين؛ اتفاقيات التحالف البالغة ٧ مليارات دولار موقّعة، غير أن العمل الإنشائي لم يبدأ بعد (وُقّعت اتفاقيات الامتياز واتفاقيات شراء الطاقة في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٥؛ ووُضع حجرا الأساس في دير الزور ومحردة في كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٥؛ وحُجزت مواعيد تصنيع العنفات في نيسان/أبريل ٢٠٢٦؛ وأكبر المحطات، محطة شمال حلب، لا تزال قبل مرحلة الإنشاء وهدفها ٢٠٢٨)؛ ترتيبات Karpowership المعلنة في كانون الثاني/يناير ٢٠٢٥ لم تُنفَّذ.
المعوّق التاسع: حقوق الملكية وإنفاذ العقود
دُمّرت السجلات العقارية تدميراً جزئياً خلال النزاع، فيعجز المستثمرون اليوم عن إثبات ملكية سليمة خالية من المنازعات للمواقع الصناعية، وتعجز المصارف عن الإقراض باطمئنان مقابل ضمانات عقارية. وثمة أسر نازحة كثيرة لا تملك أي وثيقة عن عقارات كانت تملكها.
وتُطرح على المستثمرين أحياناً نصيحة مفادها: «ابنِ الآن وسوِّ الملكية لاحقاً»، وهي نصيحة لا يأخذون بها؛ ذلك أن كلفة صدور أمر لاحق بإخلاء المصنع تفوق العائد القريب في كل أصل يتعذر نقله، وهو معظم ما تنطوي عليه إعادة الإعمار.
وثمة تصميم عملي يخفّف من هذه الحالة: شهادة ملكية مؤقتة تتيح ممارسة النشاط الاقتصادي دون أن تحسم مسبقاً المطالبات المتنازع عليها. ويسترشد هذا المسار بسابقتين: فقد جمعت آلية «غاكاكا» الرواندية للتحقق من ملكية الأراضي بين الشهادة المجتمعية والأدلة الوثائقية لإثبات واقع الحيازة حيث كانت السجلات ناقصةً؛ أما مديرية الإسكان والملكية في كوسوفو فقد استندت إلى صور الأقمار الاصطناعية وإلى سجلات أُعيد بناؤها لتثبيت حدود الأبنية في لحظات زمنية محددة. وبالجمع بين النهجين، يستطيع نموذج متكامل على هذا المنوال أن يرسم خريطةً لما كان قائماً وأين، عبر صور الأقمار الاصطناعية، وأن يثبت من سكن هناك ومتى، عبر التحقق المجتمعي.
والقلق المشروع هنا هو المطالبات الاحتيالية أو التعسف الإداري، غير أن ثمة ضمانات تحدّ منه إلى أدنى حد: مهلة اعتراض عامة مدتها ٩٠ يوماً على كل شهادة؛ وتسجيل الشهادة في جريدة رسمية وطنية إلكترونية؛ وصفة قانونية لأي مطالب في الطعن، بمن في ذلك المقيمون خارج البلاد؛ وقرينة ترجّح الحيازة الموثقة لما قبل ٢٠١١ عند تزاحم مطالبات موثقة (وذلك لشيوع حالات أُكره فيها مالكون على بيع عقاراتهم أثناء الحرب). وفي حساب المستثمر المحتمل، تحوّل الشهادة مخاطرة حيازة مفتوحة الأجل إلى مسار محدود المعالم: مهلة اعتراض ثابتة مدتها ٩٠ يوماً، ثم تسجيل علني، ثم طريق قضائي محدد للمطالبات المتبقية، وهو طريق يتوقف قيامه على إنشاء الدائرتين التجارية والإدارية الواردتين في المعوّق الرابع. وفي وسع المستثمر أن يسعّر مساراً محدداً كهذا، في حين يعجز عن تسعير عدم يقين مفتوح بلا أجل، وهو الحال القائم اليوم. ويُنشأ صندوق لتعويض المطالبات المتبقية برأس مال أولي من الدولة وبتمويل مشترك من جهات مانحة دولية، يعوّض المطالبين المتأخرين الذين تُقبل مطالباتهم تعويضاً نقدياً متى كان العقار قد طُوِّر فعلاً، بما يصون حقهم في الانتصاف دون نقض مشروع المستثمر. وبذلك تتيح الشهادة ممارسة النشاط دون أن تُسقط فرص الطعن في الملكية. أما الملكية النهائية فتُحسم أمام دوائر قضائية عقارية متخصصة على غرار وحدة ردّ الأراضي في كولومبيا ولجنة مطالبات الإسكان والملكية في كوسوفو، مع قدرة قضائية مخصصة يُطلب تمويلها في طلب مستقل يُقدَّم إلى الشركاء الدوليين المهتمين بالاستثمار.
الجهات المعنية: وزارة الإدارة المحلية والبيئة، والمديرية العامة للمصالح العقارية، ووزارة العدل. الوضع الراهن: سجلات عقارية مدمَّرة جزئياً؛ ملايين من سندات الملكية غير المتحقق منها بحسب التقديرات؛ لا إطار حتى الآن لشهادات الملكية المؤقتة.
المعوّق العاشر: البنية التحتية المادية وغير المادية للتجارة والجمارك
تشكّل جغرافية سورية ميزةً نسبيةً لا تضاهيها فيها دولة أخرى في شرق المتوسط: حدود برية مع تركيا والعراق والأردن ولبنان وإسرائيل؛ وميناءان عاملان على المتوسط؛ ودور عبور طبيعي يصل الخليج ببلاد الشام وأوروبا. غير أنه لا يُقتنص من قيمة هذا العبور إلا القليل: فمناولة اللاذقية وطرطوس ما زالت دون مستوياتهما قبل الحرب؛ والإجراءات الجمركية على كل معبر بري ما زالت بطيئةً وورقيةً وخاضعةً للسلطة التقديرية؛ ووثائق التجارة غير مرقمنة، وهو ما يكبح الوتيرة التي يمكن أن تنمو بها أحجام التجارة؛ ومنظومة التصديق على قواعد المنشأ متخلفة عن حاجة السلع الزراعية والصناعية التي شكّلت تقليدياً محرك الاقتصاد السوري، فتتآكل الأفضليات التي تستحقها البضائع السورية في إطار منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، ويتآكل معها العائد الذي كان يمكن أن تدرّه.
ولن يتمكن قطاع النسيج الذي يعيد صناعيو حلب بناءه من ترسيخ موقعه في أسواق الخليج وأوروبا إذا ظلت الحاوية الواحدة تحتاج إلى أسابيع لتخليصها جمركياً. أما الصناعات الخفيفة العائدة اليوم إلى المناطق الصناعية فتقوم على مدخلات تصل في مواعيد يمكن التعويل عليها ومخرجات تغادر بالشروط نفسها.
ومن شأن برنامج من أربعة أجزاء أن يطلق هذه الإمكانات التجارية:
• أولاً، التعامل مع استثمارات المنافذ بوصفها المسار الحرج للتعافي. فتمثّل اتفاقيتا الامتياز الموقّعتان لتشغيل الميناءين، مع CMA CGM في اللاذقية و DP World في طرطوس، أكبر التزام رأسمالي خاص في البنية التحتية التجارية السورية، ويمتد برنامج اللاذقية عميقاً نحو الداخل: موانئ جافة في نصيب وحلب، ومذكرة بشأن خط سكة حديد بين اللاذقية ودمشق، وشحن جوي عبر مطار دمشق الدولي. وما تحتاجه هذه البرامج من الدولة هو تمكين التنفيذ: حسم مسألة الوصول إلى الأراضي، والاتفاق على الأطر الجمركية قبل بدء الأشغال المدنية، ووجود جهة نظيرة واحدة مخوَّلة في جانب الدولة. وقد أتاح توحيد الموانئ والجمارك في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠٢٥ ضمن الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، برئاسة مديرها العام قتيبة بدوي، تحقيق ذلك من الناحية البنيوية: فباتت مؤسسة واحدة تملك المهام والصلاحيات في تشغيل الموانئ والتخليص الجمركي والتسلسل بينهما، وهذا هو التنسيق الذي يحتاجه أصحاب الامتياز لينفّذوا على أساسه. ويحكم هذا التنفيذَ مبدآن: أولهما أن السرعة إشارة في ذاتها، إذ هذه هي المشاريع النموذجية التي ترقبها كبرى التدفقات الرأسمالية المحتملة؛ وثانيهما أن الانفتاح هو ما يمنح المشروع رسوخه، إذ المنفذ الذي يخدم كل تاجر سوري على قدم المساواة، وتُطرح مشاريعه اللاحقة كلها في مناقصات تنافسية، يبني شبكةً يدافع عنها آلاف المنشآت. وبالانفتاح لا بالحصرية يصير التزام يمتد ثلاثين عاماً آمناً للمستثمر ونافعاً للبلد معاً.
• ثانياً، اعتماد رقمنة الجمارك: نظام موحّد للبيان الجمركي الإلكتروني في جميع المنافذ الحدودية، متكامل مع إطار «أسيكودا» (نظام الأونكتاد الآلي للبيانات الجمركية) الذي يعمل به الأردن ولبنان فعلاً ويتجه العراق إلى اعتماده، مع هدف معلن للتخليص خلال اثنتين وسبعين ساعةً.
• ثالثاً، اتفاقيات الممرات التجارية بناءً على مذكرة التفاهم الثلاثية للنقل والعبور بين تركيا وسورية والأردن في نيسان/أبريل ٢٠٢٦: اتفاقية تيسير بين سورية وتركيا تغطي الاعتراف المتبادل بالمواصفات وتسريع التخليص عند معبري باب الهوى وباب السلام؛ واتفاقية شاملة بين سورية والأردن بشأن مواءمة الإجراءات الجمركية والاعتراف المتبادل بالمواصفات ورسوم العبور وأزمنة التخليص في معبر نصيب (بما يشمل أيضاً شحنات العبور الخليجية)؛ وتفعيل خط أنابيب الطاقة بين سورية والعراق.
• رابعاً، قواعد المنشأ والتصديق على الصادرات عبر هيئة سورية لترويج الصادرات تُخوَّل إصدار شهادات منشأ معترف بها في الخليج والاتحاد الأوروبي، مع منح الفئتين الزراعية والنسيجية الأولوية لما تنطويان عليه من إمكان تعافٍ فوري.
ويجدر بيان منطق المالية العامة صراحةً. فقد شكّلت الجمارك ٣٩ في المئة من إيرادات عام ٢٠٢٥. غير أن مضاعفة حجم التدفق الجمركي لا تضاعف الحصيلة: فالأفضليات وترتيبات العبور تخفض المتحصَّل عن الحاوية الواحدة، والدفعات غير النظامية التي تزيلها الرقمنة لم تكن إيراداً أصلاً. وإنما يقع المكسب المالي القريب في موضع آخر: في إدخال الحجم الذي يمرّ اليوم عبر قنوات تقديرية إلى القناة النظامية، بما يرفع التحصيل ولو بمعدل أدنى، وعلى قاعدة آخذة في الاتساع. وهي حجة أبطأ من مضاعفة الإيرادات، وأقدر على الصمود.
الجهات المعنية: وزارة النقل، والهيئة العامة للمنافذ والجمارك ووزارة المالية (الجمارك وإيرادات التجارة)، ووزارة الاقتصاد والصناعة (السياسة التجارية)، ووزارة الخارجية (الاتفاقيات التجارية الثنائية). الوضع الراهن: اللاذقية وطرطوس تعملان بأحجام تقل كثيراً عن مستويات ما قبل الحرب؛ الجمارك ورقية؛ لا نظام إلكتروني متكامل للبيان الجمركي؛ اتفاقيات تيسير التجارة الثنائية مع دول الجوار إما ساقطة في معظمها، أو وليدة جداً وناقصة، أو لم تُحدَّث قط.
المعوّق الحادي عشر: قطاع خاص سوري مُمكَّن
تمسّ الركائز المتقدمة جميعها القطاع الخاص، بيد أن قيدين اثنين يستقران عليه مباشرةً: أولهما مهمة تفكيك الاقتصاد السياسي القائم على المحاباة في حقبة الأسد، وهو اقتصاد عملت في ظله كبرى الشركات الخاصة امتداداً لمحسوبية النظام لا كياناتٍ تجاريةً مستقلةً؛ وثانيهما دمج القطاع الخاص المحلي الذي نجا من الحرب (المنشآت الصغيرة والمتوسطة، والشركات العائلية، ومشغّلو الأعمال الزراعية، والمقاولون) في إعادة إعمار مال تخطيطها حتى الآن نحو رأس المال الخليجي والمستثمرين المغتربين.
أما القيد الأول فقد استحوذ فيه آل مخلوف وآل حمشو ودائرة أضيق من العائلات ذات الصلات النافذة على أكثر القطاعات ربحيةً في اقتصاد بشار الأسد، فدُفعت الأعمال المستقلة إلى الهامش. أما المؤسسات التي تتيح للمنشآت الصغيرة والمتوسطة أن تنشأ وتنافس (جمعيات أعمال مستقلة، وإنفاذ القوانين المانعة للاحتكار، وتعاقد عام شفاف، ووصول متكافئ إلى الائتمان) فتُركت عمداً دون تطوير، إذ لم يكن لنظام قائم على المحسوبية أي داعٍ لبنائها. ولا يزال قدر معتبر من تلك الشبكات ناشطاً داخل البلاد، ينافس على الفرص نفسها التي يحتاجها الوافدون الجدد إلى السوق.
وتقع هذه المخاطرة من قلب الإطار الانتقالي الجديد موقعاً أقرب مما ينبغي. فالمرسوم رقم ١١٤ لعام ٢٠٢٥، الذي تستند إليه عدة إصلاحات مما تقدّم، يركّز تحت رئاسة الجمهورية اثنتين من أثمن الرافعات في الاقتصاد: تخصيص الأراضي المملوكة للدولة، عبر المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية؛ ومنح الإجازات الاستثمارية، عبر الهيئة السورية للاستثمار بعد تعزيز صلاحياتها. وكل إطار يمنح امتيازات سخيةً، ومفتوحة الأجل في بعض مواضعها، ويحتفظ في الوقت نفسه بالسيطرة التنفيذية على من ينالها، قادر على إعادة إنتاج اقتصاد المحسوبية بإدارة جديدة بقدر ما هو قادر على استبداله. وسياسة المنافسة والجمعيات المستقلة وقواعد المكوّن المحلي المقترحة أدناه هي، في جانب منها، الضمانات ضد هذه النتيجة. ومن دونها يغدو المرسوم رقم ١١٤ عرضةً لأن يصير أداةً للاستحواذ نفسه الذي تهدف معالجة هذا المعوّق إلى منعه.
أما القيد الثاني فإن المنشآت التي صمدت خلال الحرب تعرف البلد على نحو يصعب على العائدين من الاغتراب وعلى الممولين الخليجيين أن يضاهوه، إذ تستند إلى شبكات موردين عاملة، ومعرفة على مستوى المحافظة، وعلاقات ثقة نجت من النزاع، وقوى عاملة مقيَّدة على جداول أجورها أصلاً. ولم تُشرك نقاشات إعادة الإعمار حتى اليوم، في معظمها، المنشآت الصغيرة والمتوسطة المحلية؛ والمخاطرة أن تأتي إعادة الإعمار مصممةً لرأس المال الأجنبي ولعائدي النخبة، فتُهمّش المشغّلين القائمين على الأرض بالفعل، وهم من يوظّف الجزء الأكبر من القوى العاملة.
ويعالج القيدين معاً برنامج واحد متكامل يتألف من خمسة مكوّنات:
• سياسة منافسة منشورة تحدد ممارسات المحسوبية وتحظرها، ويُناط إنفاذها بهيئة منافسة سورية مستقلة، وهي النظير البنيوي لإصلاحات الشفافية المبيَّنة في المعوّق الثالث.
• جمعيات أعمال مستقلة تُنشأ قطاعاً قطاعاً، بقيادة منتخَبة لا معيَّنة، وتُمكَّن من المشاركة في قرارات التنظيم والتعاقد العام التي تمسّها.
• متطلبات المكوّن المحلي ضمن عقود إعادة الإعمار الكبرى، مقرونةً بعتبات إلزامية لمشاركة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في أطر الشراكة بين القطاعين العام والخاص بموجب المرسوم رقم ١١٤ لعام ٢٠٢٥، على غرار قاعدة مشاركة المنشآت الصغيرة في المشتريات العامة في الاتحاد الأوروبي.
• تسهيل ائتماني بالجملة بقيمة ٥٠٠ مليون دولار لتمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة، تشارك في تمويله مؤسسة التمويل الدولية والبنك الإسلامي للتنمية، ويمكن أن ينضم إليهما البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية إذا امتد نطاق عملياته ليشمل سورية، ويُوجَّه عبر المصارف السورية متى استُعيدت علاقات المراسلة، مع تخصيص صريح للمنشآت التي واصلت العمل طوال الحرب.
• برنامج تطوير الموردين يربط رأس المال الخليجي ورأس مال المغتربين العائدين بمشغّلين محليين قادرين على توريد السلع أو الخدمات أو المكوّنات، على غرار ما دعمته مؤسسة التمويل الدولية من عمل على تطوير الموردين في المنطقة.
وحجة تقديم هذا القيد في الأولوية حجةٌ عن التشغيل بالقدر نفسه. فتوظّف مشاريع إعادة الإعمار الكبرى المئات، وأحياناً الآلاف. ولن يبلغ عدد هذه المشاريع حداً يقارب فرص العمل في الاقتصاد المنظم التي يتعين على سورية استحداثها خلال خمس سنوات، وهي من مليونين إلى ثلاثة ملايين فرصة. وإنما يأتي هذا الحجم من نمو القطاع الخاص، ومنه منشآت صغيرة ومتوسطة تعمل بالفعل وتفتقر إلى البيئة المؤسسية التي تحتاجها لتتوسع.
الجهات المعنية: وزارة الاقتصاد والصناعة (سياسة تنمية القطاع الخاص وإطار المنافسة)، والهيئة السورية للاستثمار (أطر الشراكة بين القطاعين العام والخاص ودمج الموردين)، ومصرف سورية المركزي (التسهيل الائتماني للمنشآت الصغيرة والمتوسطة)، ووزارة العدل (إنفاذ القوانين المانعة للاحتكار). الوضع الراهن: لا سياسة منافسة منشورة؛ لا هيئة منافسة مستقلة؛ لا متطلبات مكوّن محلي في عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص؛ لا برنامج متكامل لتطوير الموردين؛ قنوات الائتمان للمنشآت الصغيرة والمتوسطة معطَّلة بفعل الاختلال المصرفي في حقبة العقوبات، وهي قيد إعادة البناء حالياً.
الركيزة الثالثة: نمو يصل إلى الجميع، أي رأس المال البشري وفرص العمل والإدارة المحلية
تتناول الركيزتان الأوليان الأعراف والقدرات والقواعد التي تجعل التعافي ممكناً. أما الثالثة فتتناول ما إذا كان هذا التعافي سيصل إلى السوريين جميعاً، أم أنه سيقسمهم إلى رابحين وخاسرين، وهو مآل ينذر بإعادة إعمار هشة لا سبيل إلى استدامتها. والحاسم هنا ثلاثة عوامل: مسار رأس المال البشري، وهو الذي يحدد من يملك القرار في التعافي ومن ينال ثماره؛ والتكليف باستحداث فرص العمل، وهو الذي يحدد ما إذا كان المواطن العادي قادراً على بناء سبل عيشه؛ والمهام والصلاحيات والقدرات المسندة إلى الإدارة المحلية، وهي التي تحدد ما إذا كان التعافي يصل إلى مناطق البلاد على أرض الواقع. وما لم يتحقق تقدم في هذه الركيزة الثالثة، ظلّ الرسوخ السياسي للمرحلة الانتقالية موضع تساؤل، مهما حسُن أداء الركيزتين الأخريين.
المعوّق الثاني عشر: إعادة بناء منظومة التعليم وقوى عاملة ماهرة
أصاب الضررُ جامعات سورية ومدارسها ومعاهدها التقنية، وهاجر كثير من أقدر أساتذتها. أما الطبقة المهنية التي أدارت البلاد طوال العقد الأول من الألفية فيقيم جانب كبير منها اليوم في برلين وتورونتو والرياض ودبي وبيروت، في حين أمضى الأطفال الذين يشغلون المقاعد الدراسية اليوم معظم حياتهم في منظومة تعليمية عطّلتها الحرب. وحتى مع رفع العقوبات وعودة رؤوس الأموال، لا تنجح إعادة إعمار من دون رأس المال البشري الذي يصممها ويديرها ويشغّلها على المدى الطويل.
الكفاءات موجودة، غير أن جانباً كبيراً منها ما زال كامناً، أو غير مصقول بما يتيح توظيفه، أو مقيماً في الخارج بين المغتربين. ويحتاج المغتربون الذين تناولهم المعوّق الخامس ابتداءً، ومعهم السكان في الداخل ممن تعطّل وصولهم إلى التعليم والشهادات المعتمدة طوال ما يزيد على عقد، إلى بنية عملية تحوّل هذه القدرة إلى ما ينتفع به التعافي.
ويعمل البرنامج الذي يلبي الاحتياجات التقنية العاجلة لإعادة الإعمار على ثلاث طبقات: في القمة، يتولى كبار العائدين من المغتربين، الوارد ذكرهم في المعوّق الخامس، جانباً كبيراً من القيادة التقنية في الوزارات، فيصممون الإصلاح ويديرونه على امتداد المنظومة. وفي الطبقة الوسطى، تُلحق بالوزارات السورية إعارات تطلبها دمشق عبر البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي وصندوق النقد الدولي وبرامج الحكومات الشريكة، قوامها مهنيون ناطقون بالعربية في منتصف مسارهم المهني، من المنطقة أو من المغتربين العرب، يعملون مستشارين مدمجين في دورات تتراوح بين اثني عشر وثمانية عشر شهراً، مع التزامات صريحة بنقل المعرفة إلى نظرائهم السوريين. وفي القاعدة، تعطي استعادة التعليم والتدريب التقني والمهني (TVET) الأولوية لمنح الشهادات ورفع مهارات السوريين في القطاعات التي ستحتاج إليها إعادة الإعمار أكثر من غيرها (الهندسة الكهربائية والمدنية والميكانيكية، ومهن البناء وإدارة المشاريع، والرعاية الصحية وإدارتها، والزراعة، والبنية التحتية الرقمية). والهدف الإرشادي خمسون ألف تقني حاصل على شهادة خلال ستة وثلاثين شهراً، وهو رقم قيس على تقديراتنا غير المنشورة للطلب على القوى العاملة في إعادة الإعمار.
وإلى جانب هذا الجهد التقني، يقوم إصلاح الجامعات: إطار مناهج منشور (معايير وطنية لكل اختصاص، مع تركيز خاص على إشراك أرباب العمل في تصميم المعايير والمقررات المتصلة بقطاعات إعادة الإعمار الرئيسية المذكورة أعلاه) يتواءم مع سوق العمل الذي يبنيه التعافي؛ والاعتراف بالشهادات الأجنبية للأكاديميين السوريين العائدين من الخارج، وهو الإصلاح الذي سبقت الإشارة إليه في المعوّق الخامس؛ وتمويل إعادة الإعمار المادي للجامعات الكبرى التي لحقها ضرر مادي (جامعتا حلب وحمص التي كانت تُعرف بجامعة البعث)، وتحديث المرافق في سائر الجامعات الكبرى، أي جامعتي دمشق واللاذقية (جامعة تشرين سابقاً). أما التعليم الأساسي والثانوي فيحتاج إلى تدريب المعلمين، وإصلاح المناهج والكتب المدرسية، وإعادة الإدماج التدريجي للأطفال الذين قطع النزوح دراستهم، بما يستلزمه ذلك من دعم نفسي واجتماعي.
وهذا هو المعوّق الأبعد أفقاً في البرنامج. فيمكن أن يُزال معوّق القطاع المصرفي في غضون أشهر، وأن يظهر أثر إصلاح الجمارك خلال سنتين؛ أما منظومة تعليم عاملة وقوى عاملة مجهزة بما يكفي فيستغرق بناؤها عقداً. ولذلك يجب أن تُرسى أسسها من الآن، أي بنية القيادة وبرنامج الإعارة وأهداف التعليم والتدريب التقني والمهني وإطار المناهج وقدرات المعلمين، وإن كانت آثارها الكاملة لا تتكشف إلا على مدى العقد التالي.
الجهات المعنية: وزارة التعليم العالي (الجامعات والاعتراف بالشهادات)، ووزارة التربية (التعليم الأساسي والثانوي)، ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل (التدريب المهني والتلمذة المهنية)، والأمانة العامة لرئاسة الجمهورية (التنسيق بين الوزارات في مسارات المغتربين والإعارة). الوضع الراهن: منظومة التعليم والتدريب التقني والمهني متضررة ولم تُعد هيكلتها بعد؛ الاعتراف بالشهادات الأكاديمية الأجنبية يجري حالةً بحالة؛ لا إطار مناهج منشور يتواءم مع سوق العمل في إعادة الإعمار؛ الجامعات الكبرى تعمل بأقل من قدرتها بكادر تدريسي وبنية تحتية متدهورين.
المعوّق الثالث عشر: استحداث فرص العمل
يعيش نحو تسعين في المئة من سكان سورية دون خط الفقر، وحتى أشد سيناريوهات التعافي تفاؤلاً لدى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (بلوغ مستويات الناتج المحلي الإجمالي لما قبل عام ٢٠١١) تتطلب عقداً على الأقل. وفرص العمل أول ما يلمس به المواطنون أثر التعافي على نحو ملموس، ومن ثم فهي مفتاح ثقة الجمهور في مرحلة انتقالية تعقب النزاع.
على سورية أن تستحدث خلال خمس سنوات نحو مليونين إلى ثلاثة ملايين فرصة عمل في الاقتصاد المنظم كي ينخفض الفقر انخفاضاً ذا شأن (وهو رقم مشتق من قوى عاملة تبلغ نحو ٦٫٥ مليون شخص، قياساً على فجوات في البطالة والنزوح قُدِّرت بالنمذجة ولم يحدّثها أي مسح للأسر المعيشية بعد عام ٢٠١١، فهو إرشادي لا دقيق)، وهو حجم لن تقترب منه صفقات إعادة الإعمار ولا الاستثمارات الخليجية ولا تحالفات الطاقة. أما الحجم المطلوب فمصدره المنشآت الصغيرة والمتوسطة والأعمال الزراعية وانتقال الاقتصاد غير المنظم إلى الاقتصاد المنظم، ولهذا يأتي المعوّق الحادي عشر، المتعلق بالقطاع الخاص، سابقاً لهذا القيد مباشرةً في التسلسل. فالمنشآت الصغيرة والمتوسطة التي يُنتظر أن تنمو لاستحداث تلك الفرص هي نفسها التي تحتاج إلى بيئة مؤسسية عاملة كي تتوسع.
ويقوم التدخل على ثلاث آليات:
• تكليف وطني باستحداث فرص العمل، يُنشر بوصفه هدفاً صريحاً (مليونان إلى ثلاثة ملايين فرصة عمل في الاقتصاد المنظم خلال خمس سنوات، مفصّلةً بحسب القطاع والمحافظة)، يتولى مسؤوليته وزير محدد بالاسم في مجلس الوزراء، ويخضع لتقارير علنية فصلية على منظومة لوحات المؤشرات نفسها الواردة في المعوّق الثالث.
• التسهيل الائتماني بالجملة بقيمة ٥٠٠ مليون دولار لتمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة، الذي عُرض في المعوّق الحادي عشر، ويجري توجيهه عبر المصارف السورية متى استُعيدت علاقات المراسلة، مع مخصصات صريحة للقطاعات الأكثر استحداثاً لفرص العمل، وهي الأعمال الزراعية والصناعات التحويلية الخفيفة والبناء.
• نظام ضريبي مبسّط للشركات الحديثة التسجيل، مقروناً بإصلاح الجهاز الإداري الوارد في المعوّق الثاني. فيُنجز التسجيل في يوم واحد، وتخضع الشركة في سنواتها الثلاث الأولى لنظام مبسّط: نسبة ثابتة على المبيعات بدل نسبة محتسبة على الأرباح، وتصريح سنوي واحد بدل عدة تصاريح، وإقرار موحّد يقتصر على المبيعات بدل الحسابات الكاملة (التي تشمل بيان الأرباح والخسائر، والميزانية العمومية، وسجلات الإيرادات والنفقات كاملةً، وحسابات الاستهلاك، وغيرها)، ونقطة اتصال واحدة لدى الدوائر المالية بدل عدة جهات. ثم تنتقل الشركة تلقائياً إلى النظام الضريبي العادي.
وتحتاج الأعمال الزراعية إلى هدف فرعي محدد بالاسم. فقد كانت لسورية قبل الحرب ميزة في الزيتون والحمضيات والقمح والفستق الحلبي، وهي ميزة تجعل القطاع، إذا قيست بعجز القمح البالغ ٢٫٧٣ مليون طن في عام ٢٠٢٥، أكبر فرصة قريبة لإحلال الواردات، وأكبر مشغّل في الأرياف، والمرتكز الطبيعي لإصلاحات التجارة والجمارك الواردة في المعوّق العاشر. ومن شأن تخصيص زراعي مكرّس داخل التسهيل الائتماني للمنشآت الصغيرة والمتوسطة في المعوّق الحادي عشر، مقروناً بإعادة تأهيل الري في سهل الغاب وبالبنية التحتية التجارية في المعوّق العاشر، أن يعيد مئات الآلاف من سوريي الأرياف إلى العمل خلال أربعة وعشرين شهراً، وعلى أرض قائمة بالفعل.
وتحتاج المرأة إلى المعالجة الصريحة نفسها، لسبب حسابي قبل أن يكون معيارياً. فتبلغ مشاركة المرأة في القوى العاملة في سورية نحو ثلاثة عشر في المئة، وهي من أدنى المعدلات في العالم ونحو ربع المتوسط العالمي البالغ واحداً وخمسين في المئة. ولا سبيل إلى بلوغ هدف مليونين إلى ثلاثة ملايين فرصة عمل في الاقتصاد المنظم ما دام نصف السكان في سن العمل يبقى خارج سوق العمل بحكم الأمر الواقع. وتظهر الفجوة نفسها في الحوكمة، إذ تواجه الحكومة انتقاداً متواصلاً بسبب ضعف تمثيل المرأة في مجلس الوزراء وفي وفودها وفي فعالياتها الاستثمارية. والعجزان مترابطان: فالدولة التي لا تُدخل المرأة في صفوفها على نحو ظاهر يصعب عليها أن ترسّخ عرفاً مجتمعياً بمشاركة المرأة في العمل.
والعلاج هو هدف فرعي محدد لتشغيل المرأة داخل التكليف الخاص بفرص العمل، يُبلَّغ عنه على لوحة المؤشرات نفسها الواردة في المعوّق الثالث، مقروناً بما تتطلبه المشاركة من تدابير: رعاية الأطفال، والنقل الآمن، ومخصصات صريحة للشركات التي تقودها نساء داخل التسهيل الائتماني للمنشآت الصغيرة والمتوسطة في المعوّق الحادي عشر. فتشغيل المرأة شرط بنيوي لبلوغ هدف فرص العمل، لا مسألة إنصاف تؤجَّل إلى حين مجيء النمو.
وانضباط الهدف المنشور أهم من الرقم المعلن. فالحكومة التي تعلن «مليوني فرصة عمل بحلول عام ٢٠٣١» وترفع تقاريرها الفصلية عنه تُساءل على نحو لا يتيحه تعهد عام بـ«دعم التشغيل». وهذا ما فعلته رواندا عبر نظام إيميهيغو، وما فعلته كوريا الجنوبية عبر أهداف التشغيل الريفي في حركة سايمول أوندونغ في سبعينيات القرن الماضي. والأطر النموذجية ليست نادرةً. وإنما الانضباط الذي يحمل الشفافية والمساءلة على امتداد العملية كلها هو ما على سورية أن توفره.
الجهات المعنية: وزارة الاقتصاد والصناعة (التكليف الوطني باستحداث فرص العمل)، ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل (بيانات التشغيل وتسجيل المنشآت الصغيرة والمتوسطة)، ومصرف سورية المركزي (قناة الائتمان للمنشآت الصغيرة والمتوسطة)، ووزارة الزراعة (الهدف الفرعي للأعمال الزراعية). الوضع الراهن: لا هدف وطني منشور لاستحداث فرص العمل؛ قنوات الائتمان للمنشآت الصغيرة والمتوسطة معطَّلة بفعل الاختلال المصرفي في حقبة العقوبات، وهي قيد إعادة البناء حالياً؛ لا مسار للانتقال من الاقتصاد غير المنظم إلى الاقتصاد المنظم.
المعوّق الرابع عشر: ضبط توزيع المسؤوليات بين البلديات والمحافظات والدولة المركزية
توجَّه القيود الثلاثة عشر السابقة، من دون استثناء يكاد يُذكر، إلى وزارات في دمشق. غير أن التعافي الذي تصفه هذه القيود إنما يُنجز في عموم البلاد وعلى مستويات شتى. أي أن رخصة البناء تصدرها البلدية لا الوزارة، وأن الأسرة العائدة يؤويها سكن في محافظة لا قرار في مجلس وزراء، وأن الخط الصناعي يُغذّى بالكهرباء من محطة تحويل في حلب أو حمص لا من مكتب في العاصمة. ودمشق قادرة على تصميم ركائز التعافي، بيد أنها غير قادرة على إنجازه.
دخلت سورية المرحلة الانتقالية ببنية إدارية من أشد البنى مركزيةً في المنطقة. فقد نقل القانون رقم ١٠٧ لعام ٢٠١١، من الناحية الاسمية، صلاحيات إلى مجالس محلية منتخبة، وفي شباط/فبراير ٢٠٢٦، فوّض القرار رقم ١٣ الصادر عن وزارة الإدارة المحلية والبيئة إلى المحافظين صلاحيات وزاريةً واسعةً. غير أن المحافظين ما زالوا يُعيَّنون من دمشق، والإيرادات الذاتية للبلديات ضئيلة، والإدارات المحلية لا تملك القاعدة المالية ولا القدرة التقنية للتنفيذ بالحجم الذي تقتضيه إعادة الإعمار. والنتيجة عائق في الإنجاز يقبع تحت كل قيد آخر: فإصلاح الجهاز الإداري في المعوّق الثاني، وإصدار شهادات الملكية في المعوّق التاسع، وكهربة المناطق الصناعية في المعوّق الثامن، وتأسيس الشركات في المعوّق الحادي عشر، تنتهي جميعها عند شباك بلدي يفتقر إلى الكادر وإلى الموازنة، ويفتقر في عدد من المحافظات إلى الشرعية اللازمة لحملها.
والشرعية هي الوجه الثاني لهذا القيد، وأكثر أوجهه غياباً عن النقاش الاقتصادي. فتعيين من يتولى محافظةً يُفهم، في الداخل السوري وفي الخارج، على أنه إشارة إلى ما إذا كانت التسوية جامعةً أم قائمةً على غلبة فئة. وحين يمثّل المحافظ أو المجلس المحلي المجتمع الذي يديره تمثيلاً واضحاً، تضيق المسافة بين الإعلان والتنفيذ.
والوجه الثالث هو الاستيعاب. فقد عاد نحو ١٫٣ مليون سوري من الخارج في عام ٢٠٢٥، فانخفض عدد اللاجئين من نحو ستة ملايين إلى ٤٫٩ مليون، وعاد إلى ديارهم مليونا نازح داخلي أيضاً، ثم تواصلت العودة في عام ٢٠٢٦ لتبلغ، بحسب التقديرات، نحو ٥٥٠٬٠٠٠ عائد بحلول منتصف أيار/مايو. ونرجّح أن يكون دافعها تدهور الأوضاع في لبنان أكثر من الثقة بسورية. وهؤلاء العائدون ليسوا المغتربين أصحاب الشهادات الذين تناولهم المعوّق الخامس. إنهم يصلون إلى أحياء مدمّرة، وإلى كهرباء ومياه ورعاية صحية متقطعة، وكثيراً ما يصلون من دون الوثائق المدنية التي تتطلبها الملكية والخدمات. وأين يسكنون وأي خدمات تستقبلهم، مسألة بلدية قبل أن تكون مسألةً وطنيةً. والعودة التي تفشل محلياً لا تبقى محليةً، بل يسري أثرها في البلاد كلها.
ويسير الإصلاح المطلوب في أربعة مسارات:
• اللامركزية المالية أولاً: قاعدة إيرادات ذاتية محددة للبلديات والمحافظات، تقترن بموازنات سنوية شفافة تخصصها دمشق لها وفق صيغة منشورة (عدد السكان، ومؤشر الضرر، ومعدل الفقر)، وتُنشر ضمن شفافية الموازنة والتنفيذ الواردة في المعوّق الثالث، بحيث تموّل الإدارات المحلية إنجازها بنفسها بدل أن تلتمسه من دمشق.
• القدرات المحلية ثانياً: توسيع مسار المغتربين والإعارة الوارد في المعوّقين الخامس والثاني عشر ليشمل مستوى المحافظة، بما يضع الكوادر التقنية حيث تُدار الرخص والأراضي والخدمات.
• التعيين التمثيلي ثالثاً: معايير منشورة لاختيار المحافظين وكبار المسؤولين المحليين، مع عناية صريحة بتمثيل مكوّنات كل محافظة، على أساس أن التمثيل مدخل من مداخل ثقة المستثمرين لا مدخل للمصالحة وحدها.
• التكليف باستيعاب العائدين رابعاً: خطة لكل محافظة تتناول الإيواء والوثائق والخدمات الأساسية، مقدَّرة التكلفة ومسندة إلى مسؤول محدد بالاسم، على أن يغذّي إصلاح السجل المدني ما يحتاجه العائد المستوعَب من وثائق تمكّنه من العمل والاستئجار وتقديم المطالبات.
ولكل هذا سوابق. فقد أعادت اللامركزية التي اعتمدتها إندونيسيا بعد آتشيه بناء شرعية الإدارة المحلية إلى جانب إعادة الإعمار المادي، وقرنت كولومبيا رد الأراضي على مستوى البلديات بتقديم الخدمات المحلية للنازحين العائدين. وفي الحالتين، تعثّر التعافي الذي يُدار كله من العاصمة في التمدد إلى ما وراءها.
الجهات المعنية: وزارة الإدارة المحلية والبيئة، ورئاسة الجمهورية (تعيين المحافظين)، ووزارة المالية (التحويلات المالية). الوضع الراهن: المحافظون يُعيَّنون مركزياً؛ الإيرادات الذاتية للبلديات ضئيلة؛ لا صيغة منشورة للتحويلات من المركز إلى الإدارات المحلية؛ لا معايير منشورة للتعيين التمثيلي؛ استيعاب العائدين يجري على نحو ارتجالي وبيد وكالات الأمم المتحدة في معظمه، لا بيد إدارات محلية مزودة بالموارد.
قيادة هذا التعافي من القمة
ثلاث ركائز، وأربعة عشر قيداً، وأربعة وعشرون شهراً من العمل المركّز. وتُستمد البنية التي توجّه هذا الجهد من وحدة إدارة الأداء والإنجاز (PEMANDU) التي طورتها ماليزيا بين عامي ٢٠٠٩ و٢٠١٨ ودرسها البنك الدولي دراسةً مستفيضةً. ويقوم النموذج، المستلهَم من PEMANDU والمكيَّف مع الحالة السورية، على ما يلي:
• وحدة إنجاز صغيرة، تُلحق إدارياً بالأمين العام لرئاسة الجمهورية، ولها صلاحية محصَّنة لدعوة الوزراء إلى الاجتماع، ولتحديد مؤشرات الأداء الرئيسية لمجالات الأولوية الوطنية (NPA)، ونشر بيانات التتبع الأسبوعية، ورفع معوقات الإنجاز إلى الرئيس من دون تدخل وزاري.
• مجموعة محدودة من مجالات الأولوية الوطنية، مسندة إلى مساءلة وزارية محددة بالاسم، ومبنية مباشرةً على المعوقات الأربعة عشر التي تناولتها هذه الدراسة.
• مختبرات عمل تمتد من ستة إلى ثمانية أسابيع لتصميم خطة الإنجاز لكل مجال أولوية وطنية (مؤشرات الأداء الرئيسية، والموازنة، والمساءلة الوزارية المحددة).
• تتبع أسبوعي لمؤشرات الأداء الرئيسية المنشورة علناً لكل مجال أولوية وطنية، واجتماعات فصلية لحل المشكلات تخص كل مجال على حدة، وتقرير سنوي عن الأداء العام لمجالات الأولوية الوطنية تدققه شركة خارجية وفق الإجراءات المتفق عليها.
والموارد التي تطلبها متواضعة: فريق من خمسة عشر إلى عشرين شخصاً، و٣ إلى ٥ ملايين دولار سنوياً، أي ما يقل كثيراً عن ٠٫١ في المئة من الموازنة التي ستنسقها الوحدة.
وهذا أصغر جهاز إداري يستطيع تشغيل برنامج بهذا الحجم، وأكثر هذه الأجهزة دراسةً. وما جعل نموذج وحدة الإنجاز ينجح حيث طُبّق، في ماليزيا مع PEMANDU، وفي المملكة المتحدة في عهد توني بلير، وفي رواندا في عهد بول كاغامي، يرجع إلى أمرين لا يخصان تلك البلدان بعينها: فريق صغير مسؤول عن الإنجاز، وتدقيق مستقل لما تعلنه الوحدة عن نفسها.
وثمة سؤال واحد يكشف معظم ما يلزم معرفته عن سير البرنامج: كم عدد الاستثمارات الأجنبية المتعهَّد بها التي وقّعت مذكرات الشروط، وسدّدت رأس المال الملتزم به فعلياً، وباشرت أعمال البناء، وبدأت التشغيل، بحلول نهاية السنة الأولى؟ وإذا نُشر هذا الرقم فصلياً، مفصّلاً بحسب القطاع ومسمّياً الأطراف والأطراف المقابلة، كان أكثر المعطيات العلنية المتاحة دلالةً على الجزء الأكبر من البرنامج، ومؤشراً على ما إذا كانت أكثر القيود الأخرى تتحرك، وعلى ما إذا كان التعافي يمضي من الخطاب إلى الإنجاز.
وليس شيء من هذا مشكلةً تقنيةً. فنموذج الإنجاز سهل الفهم، والسوابق المقارنة قائمة، والتمويل متاح من حيث المبدأ. والحجة مباشرة: أن ينقل المركز قدراً من الصلاحيات بما يتيح إنجاز المهمة كلها. فالتعافي الذي تُحكم قلة قبضتها عليه مبكراً ويحتكره المركز هو المآل الأخطر على المديين المتوسط والبعيد، للقادة والمواطنين على السواء. والشركاء منخرطون، ورؤوس الأموال ملتزَمة على الورق، والمساعدة متاحة من حيث المبدأ؛ ولم يتحول أي من الثلاثة بعدُ إلى مال يتحرك عبر مصرف، أو عنفة تدور، أو سند ملكية يُقرَض مقابله. وما بقي ضيق النطاق محدد المعالم: أربعة عشر قيداً تُعالَج (أو يُقطع فيها شوط كبير، كما في المعوّق الثاني عشر) خلال أربعة وعشرين شهراً، تُدار عبر منظومة إنجاز قائمة أصلاً في صورة نموذج جاهز لسورية أن تعتمده من غير عناء. والتعافي لن يأتي مصادفةً، ولن يخفق لأن المشكلات تستعصي على الحل.
تقف سورية اليوم أمام أوسع انفتاح خارجي عرفته منذ عقود. فقد فُكّكت منظومة العقوبات الشاملة، واستدارت رؤوس الأموال والدبلوماسية نحو دمشق بعد أن كانت عليها، وتولّت قيادةٌ توجيه المرحلة المقبلة مسترشدةً بدروس تجارب إصلاحية مماثلة في غير بلد. وعلى مدى السنوات العشرين المقبلة في المنطقة، تبرز سورية مؤهلةً لأن تستعيد موقعها مركزاً لسياسة بلاد الشام واقتصادها وتمويلها. وللبلاد جغرافيتها، ورأس مالها البشري، وقاعدة مواردها؛ ولها اليوم التفويض السياسي لتحويل عقد من التدمير إلى جيل من البناء. والفرصة التي انفتحت ليست فرصة تحسينات تدريجية. فهي واحدة من أكبر فرص الاستثمار وإعادة الإعمار في هذا الجيل، وواحدة من اللحظات النادرة التي يكون فيها بلد بمكانة سورية قابلاً لإعادة البناء، وقابلاً للتمويل، وتسنده الإرادة السياسية، في آن واحد. ونحن متفائلون بما هو آت.



